(الصادقون) …انتصار سياسي بإمتياز بقلم محمود الربيعي

محمود الربيعي

ما إن اعلنت قوات الاحتلال الأمريكي انسحابها من العراق هربا من ضربات رجال المقاومة الاسلامية التي الحقت بها خسائر فادحة وقتلت الالاف من عناصرها ودمرت الياتها ومعداتها حتى اضطرتها الى الانصياع لارادة العراقيين والرضوخ لاتفاقية الجلاء الكامل دون ان تبقي لها قاعدة عسكرية واحدة في العراق ودون ان تتمكن من تحصيل حصانة قانونية لاي عسكري امريكي في العراق في آواخر عام 2011  ، ومع اكتمال استقلال العراق وتحريره اعلنت حركة المقاومة الاسلامية عصائب اهل الحق  دخولها في العملية السياسية الجارية في العراق .

ومع ان قيادة حركة عصائب أهل الحق لم تكن مشتركة قبل هذا التاريخ في العملية السياسية الا انها كانت تعلن وبشكل صريح انها ليست ضد هذه العملية بل كانت حريصة على ان لاتكون ضدها مع التزام الحركة بالعمل المقاوم المستمر ، الا ان الحس الوطني العالي كان يجعلها تتسامى على التحديات والظروف المضطربة التي تمر بها العملية السياسية التي كانت تعاني من تدخل سافر للادارة الامريكية في شؤونها ومفاصلها كافة فقد ادركت قيادة الحركة ان العراق لايمكن له ان يكون بلاعملية سياسية وقوانين وتشريعات تحفظ مايمكن حفظه من النظام الاجتماعي الذي يضم في ثناياه النظام السياسي الذي يمثل دور القيادة داخل الدولة ، انطلاقا من ايمان الحركة بمبدأ ضرورة سيادة الدولة والقنون .

وفي اوائل عام 2012 كان اعلان سماحة الامين العام للحركة الشيخ قيس الخزعلي لوسائل الاعلام عن دخول حركة عصائب اهل الحق في العملية السياسية العرجاء وعن المنهج الذي تبنته الحركة في العمل السياسي الهادف لاحداث اصلاحات حقيقية في مسار العملية لغرض انقاذها من دائرة الفساد والفشل التي وقعت فيها منذ نشأتها بعد 2003 ,

وكانت المشاركة الاولى لحركة عصائب اهل الحق في انتخابات مجلس النواب العراقي عام 2014 اذ دخلت بقائمة منفردة وحصلت على نائب واحد شهد له كل من عرفه من العراقيين انه (مثال حقيقي للاخلاص والتواضع والتفاني في خدمة الناس)  ، وقد تعرضت هذه المشاركة الى الكثير من المصاعب تجلت في استهداف مهرجانها الانتخابي الكبير من قبل زمر الارهاب والتكفير بسيارة مفخخة في نيسان 2014 والذي اسفر عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى كان من بينهم احد مرشحي القائمة .

واستمرت الحركة بالعمل السياسي من خلال تحركات امينها العام  والمكتب السياسي طوال السنوات الماضية وكان له دور حيوي مهم في الدفاع عن قضايا البلد والمجتمع ، وكان الدور الابرز في مرحلة الحرب على داعش من خلال المشاركة الفاعلة للحركة ودورها الذي شهد له القاصي والداني واعترف به العدو قبل الصديق وهو دور لايسعه الحديث في هذه الكلمات المحدودة .

ومع تحقيق الانتصار العسكري على داعش كان انطلاق الحركة لتأسيس تحالف سياسي ضم معظم الحركات والمنظمات والفصائل التي لها تمثيل سياسي رسمي بعد اقرار قانون الاحزاب السياسية وكان

( تحالف الفتح ) ثمرة سياسية لجهود كبيرة بذلت من قيادة الحركة وتمكن التحالف من الحصول على 47 مقعدا في الانتخابات النيابية التي جرت في 12 ايار 2018 كان لحركة عصائب اهل الحق بجناحها السياسي ( الصادقون ) 15 مقعدا منها وقد مثل ذلك انتصارا سياسيا كبيرا قفز به التمثيل البرلماني للحركة قفزة كبيرة اثارت الاعجاب واستحقت الثناء والتقدير ، كما انها اثارت حفيظة المعادين لخط المقاومة الذين توجسوا خيفة من هذا الانتصار .

وبحساب الارقام وقياسا بالجهد المتميز الذي بذلته قيادات الحركة وكوادرها وافرادها و انصارها فقد كان بالامكان ان يرتفع عدد هذه المقاعد الى عشرين مقعدا ولكن طبيعة الانتخابات ونظامها الانتخابي المعروف ب( سانت ليغو) حرم عدد من مرشحينا من الفوز ولعل ابرزهم المرشح الاستاذ عدي الخدران عن محافظة ديالى الذي جاوزت اصواته 16 الف صوت في محافظة ديالى وكذلك المرشح الاستاذ عبدالمهدي الخفاجي في محافظة كربلاء المقدسة اضافة الى المرشح ناظم الحطاب في محافظة ميسان اللذان كانا قريبين جدا من الفوز ، اضافة الى ما حققته مرشحة الحركة عن محافظة واسط السيدة محاسن خيري التي حصدت اعلى اصوات النساء وحرمها النظام الانتخابي من فوز اكيد ، كما ان ما شهدته محافظتا كركوك ونينوى من خروقات انتخابية كبيرة كان حائلا امام حصول مرشحي الحركة على مقاعد مستحقة .

وبقراءة تفصيلية للمنجز فان الحركة وقياسا للمكانة الكبيرة التي شغلتها في عقول وقلوب العراقيين بسبب دورها الرائع في تحقيق الانتصار العسكري على زمر داعش التكفيرية والذي تكلل بعطاء كبير قدمت فيه الحركة قرابة الف شهيد من خيرة قادتها ورجالها الافذاذ والذين توضأت بدمائهم الطاهرة الزاكية ارض العراق وهي تصلي صلاة التحرير والخلاص من دنس الارهاب والتكفير، اضافة الى الاداء الوطني المتميز والشجاع والصادق الذي قدمه قادة الحركة وفي مقدمتهم سماحة الامين العام للحركة الشيخ المجاهد قيس الخزعلي ( نصره الله) والذي كان حاضرا طوال السنوات الماضية في كل الميادين التي كان العراقيون يتطلعون فيها الى من يحمل همومهم ويدافع عن حقوقهم ، وقد كان له الوقفات المشهودة في كل المحافل والتي تكللت بعودة كركوك ومناطق العيش المشترك الى حضن الوطن من جديد .

واذا كانت الانتخابات هي المعبر الواضح عن ارادة الناس فقد كان العزوف عن المشاركة فيها مؤشرا واضحا عن السخط الشعبي الذي تصاعد بعاملين اساسيين اولهما كان الاداء الحكومي والبرلماني طوال السنوات الماضية والذي اغرق البلاد في دوامة الفشل والاخفاق بفعل انتشار وباء الفساد المالي والاداري في معظم مؤسسات الدولة التي ظهرت عاجزة عن تلبية طموح المواطنين ولم تتمكن من اداء واجباتها في مختلف مجالات الحياة ، واذا كانت المحاصصة الحزبية والطائفية التي انتجت اقطاعيات سياسية بسبب طبيعة النظام السياسي فان العامل الثاني الذي تسبب بالعزوف كانت الحملات الاعلامية المنظمة التي كانت تهدف لضرب العملية الانتخابية والتي اثرت على ذهاب الكثير من العراقيين الى الانتخابات ، ومع هذا كله فقد تمكن ( الصادقون )من تحقيق نصر سياسي متميز يفرض على الحركة استحقاقات كبيرة ستسعى لها بكل امكاناتها وقدراتها وطاقاتها من اجل ان تحقق الامال المعقودة على الحركة من انصارها ومحبيها ومن ابناء الشعب العراقيكافة الذين استبشروا خيرا بنتائج الصادقون وهم يعرفون بشكل جيد مدى حرص ممثليها على اداء دور فاعل ومؤثر يسهم في اعادة ثقة العراقيين بانفسهم وبقياداتهم من خلال ما عرف عنهم من شجاعة وصدق واخلاص وكفاءة ، نأمل ان تسهم في تحقيق اصلاح حقيقي يحفظ سيادة الدولة العراقية وهيبتها ويضمن تقديم الخدمات ويحسن الاوضاع الاقتصادية بما ينعكس ايجابيا على الوطن والمواطن وبما يحاكي القدرة الفائقة التي قدمها رجال الحركة حين تصدوا من قبل للاحتلال الغاشم ومن بعده لزمر الارهاب والتكفير اضافة الى ما عرفته مدن ومحافظات العراق من اسهامات خيرة للحركة في مجالات متعددة لعل ابرزها  الحملات المستمرة التي يقوم بها (أخوة زينب) في التطوع لتقديم الخدمات في حملات ترميم المدارس والمراكز الصحية والمستشفيات والشوارع العامة في بغداد والمحافظات .

الانجاز الذي تحقق ل(الصادقون) متميز وكبير والامال المعقودة عليهم ستبقى اكبر فهم ابناء العراق  ولن يدخروا جهدا لبنائه كما لم يبخلوا عليه من قبل بدماء خيرة رجاله .

وبهذه الرؤية انطلق نواب حركة (الصادقون) الخمسة عشر في عملهم البرلماني ليبدأوا مسيرة متجددة في العطاء سواء في حضورهم الفاعل والمؤثر داخل جلسات مجلس النواب او مواظبتهم الواضحة وتفاعلهم الكبير مع الادوار التي انيطت لهم من خلال عملهم في اللجان البرلمانية وسعيهم المتواصل لاكمال التشريعات والقوانين التي يحتاجها ابناء الشعب العراقي والتي بقيت حبيسة الجدران والرفوف طوال الفترات الماضية ، كما كان لهم دور متميز في تمثيل العراق في المحافل الدولية التي مثلوا بلدهم فيها خير تمثيل ، ولست بصدد الاستعراض حين اجزم ان تواجد النواب في محافظاتهم كان حافلا بالحضور مع الجماهير والسعي لقضاء حوائج المواطنين والتفاني في التحرك الايجابي لتوفير الخدمات وتلبية مطالب ابناء المحافظات بالتعاون مع الدوائر البلدية والخدمية والمؤسسات الحكومية ، وكما عرفناهم ( اشداء على داعش ومن قبله الاحتلال البغيض ) فقد شهدنا كيف يتعاملون بالرحمة والمودة مع الفقراء والمحرومين وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم .

لن اتحدث عن الاداء النيابي مع وجود التميز فيه رغم حداثة التجربة ، ولن اتحدث عن الشجاعة والحضور والتصدي لكل الملفات التي تتكشف لهم ، ولست بحاجة للحديث عن الاناقة واللباقة والحضور الاعلامي المتميز ، ولكني ساتحدث بمسؤولية عن حجم المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق اثني عشر رجلا وثلاث نساء حملوا امانة دماء الشهداء وتضحيات المضحين وجهود وبسالة الرجال المقاومين ، هذه المسؤولية الضخمة التي يجسدها امامي حيث اكون الامل الذي يعلقه العراقيون على (الصادقون) ، وهم يعلمون جميعا انهم يتصدون لمهمة لاتقل خطورة وصعوبة وتعقيدا عن معارك التحرير التي خاضها اخوة زينب لتطهير ارض العراق الطاهرة من رجس التكفيريين ونجس المحتلين ، خصوصا واننا جميعا ندرك ابعاد المشروع المعادي الذي يستهدف العراق والذي تقوده واشنطن ويلهث على مخططاتها ذيولها في المنطقة .

نعم اقولها وبكل وضوح ان (الصادقون) اليوم قد حققوا انتصارا سياسيا بامتياز ، ولكن علينا ان نعلم ان مهمتنا اصبحت اكبر ومسؤوليتنا اصبحت اضخم وان الامانة اثقل ، ولأننا الصادقون اخوة زينب عليها السلام ، فاننا قادرون بعون الله تعالى على ادامة زخم هذا الانتصار عبر تحويله الى خدمة حقيقية لهذا الوطن الحبيب الجريح الذي تريد له امريكا ان يكون دولة فاشلة ونريد له نحن ان يكون دولة ناجحة ، وهذا هو الصراع بين الحق والباطل ، وهو صراع نعرف نتيجته النهائية التي رسمها المولى القدير في قوله تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ، فنحن نؤمن الميدان السياسي يحتاج منا الى الارتباط التام بمبادئنا وديننا ووطننا ، فالسياسة عندنا هي رعاية العباد وادارة شؤون البلاد ، وهو واجب كبير نسعى الى تأديته على اكمل وجه ، متحدين كل الفشل والفساد والخراب الذي ينتشر من حولنا منذ اكثر من خمسين عاما ، كما ندرك ان مصدر قوتنا هو الصدق مع الناس والسعي الجاد لتسليم مواقع الدولة لكفاءات شجاعة ونزيهة لا تأخذها في الحق لومة لائم ولاتخضع للابتزاز ولا تمارس التسويف ، وفي وقت قريب سنكشف عن طاقات ايجابية كبيرة ستضع بصمتها في مسار الدولة العراقية ، وستضع اصابعها في عيون السراق والفاسدين ، فعهدنا ان لانتوقف عند حد بعينه وسنواصل كل الجهود لرفع الحيف والظلم والعدوان الذي لحق بابناء شعبنا وخصوصا الفقراء والمحرومين الذين نرى ان واجباتنا اتجاههم اكبر واهم من كل الواجبات .

لهذا وضعنا في اولويات عملنا امرين مهمين الاول هو الحفاظ على الحشد الشعبي واسناده وتطويره وتحصيل الحقوق لعوائل الشهداء وللجرحى وللمقاتلين الابطال فيه ، كما اكدنا على اهمية اكمال تشريعات المادة (30) من الدستور العراقي ووضعها موضع التطبيق وهي تكفل للمواطن العراقي في كل شبر من ارض الوطن كافة الحقوق التي تؤمن له الضمان الاجتماعي والصحي بما يكفل له عيشا كريما يتناسب مع انسانيته المنتهكة وعراقيته التي ينتمي اليها ويعتز بها رغم كل محاولات التخريب والتدمير التي استهدفت روحه الوطنية وهذا هو عهد (الصادقون) للجماهير ان يكونوا الممثل الحقيقي لبسالة اخوة زينب عليها السلام في كل مكان وزمان .